البغوي

111

شرح السنة

قلت : فَأَما اسْتِعْمَال سوء الظَّن إِذا كَانَ عَلَى وَجه الحذر وَطلب السَّلامَة مِن شَرّ النّاس ، فَلَا يَأْثَم بِهِ الرجل ، فَإِن النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ لعَمْرو بْن الفغواء الْخُزَاعِيّ : « التمس صاحبا » ، وَأَرَادَ أَن يبْعَث بِمَال إِلَى أَبِي سُفْيَان يقسمهُ فِي قُرَيْش بِمَكَّة بعد الْفَتْح ، فجَاء إِلَيْهِ عَمْرو بْن أُميَّة الضمرِي ، وَقَالَ : « أَنَا لَك صَاحب » ، قَالَ : فَأخْبرت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : إِذا هَبَطت بلاط قومه ، فاحذره ، فَإِنَّهُ قد قَالَ الْقَائِل : « أَخُوك الْبكْرِيّ وَلَا تأمنه » ، وَذَلِكَ مثل شهير للْعَرَب فِي الحذر . وَرُوِيَ عَن عُمَر بْن الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّهُ قَالَ : « احتجزوا مِن النّاس بِسوء الظَّن ، وَلَا تثقوا بِكُل أحد ، فَإِنَّهُ أسلم لكم » . وَقَالَ سلمَان : « إِنِّي لأعد هراق الْقدر عَلَى خادمي مَخَافَة الظَّن » . قَالَ أَبُو خلدَة : « كُنَّا نؤمر بالختم عَلَى الْخَادِم والكيل وَالْعدَد ، خشيَة أَن يُصِيب أَحَدنَا إِثْمًا فِي الظَّن ، أَو يتعود الْخَادِم خلق سوء » . وَقَالَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود : « مَا يزَال الَّذِي يسرق يسيء الظَّن حَتَّى يكون أعظم إِثْمًا مِن السَّارِق » . والتجسس بِالْجِيم : الْبَحْث عَن عُيُوب النّاس ، والتحسس بِالْحَاء : طلب الْخَيْر ، وَمِنْه قَوْله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ } [ يُوسُف : 87 ] ، فالتجسس فِي الشَّرّ ، وَبِالْحَاءِ فِي الْخَيْر .